السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

382

مفاتيح الأصول

آخر وبمجرد الاحتياط لا يمكن الحكم بالوجوب لكن يمكن أن يقال أن التعليل الوارد فيها وهو أن تصيبوا إلى آخره أي كراهة أن تصيبوا إلى آخره جار في مجهول الحال أيضا بل قد عرفت أن التعليل المذكور يشمل معلوم العدالة أيضا غاية الأمر خروجه بالإجماع فيبقى عاما في الباقي لكن يمكن أن يقال إن احتمال الإصابة المذكورة وإن كان جاريا في مجهول الحال بل معلوم العدالة أيضا لكن احتمالها فيهما أضعف من احتمالها في الفاسق المعلوم فسقه والجهالة فيه أقوى من الجهالة فيها فلعل العلَّة هي الإصابة بتلك الجهالة الكائنة فيه لا مطلق الإصابة بالجهالة ويؤيده وقوع إجماعهم على القبول في معلوم العدالة مع جريان الاحتمال فيه أيضا لكن لا يخفى أنه إذا لم يقم دليل على القبول في مجهول الحال فجريان ظاهر التعليل فيه يؤيد عدم القبول فيه وإن لم يصر دليلا عليه فتأمل انتهى ومنها أنه لا يجوز الاكتفاء في ثبوت عدالة الشاهد بمجرّد ظهور إسلامه وإيمانه مع عدم ظهور الفسق وكذلك في عدالة المخبر أما الأول فلما بيّناه في المفاتيح وأما الثاني فلظهور عدم القائل بالفصل بين الأمرين من أصحابنا وللآخرين وجوه أيضا منها ما حكاه جماعة عن بعض منهم من أن الأمر بالتثبت معلق على الفسق مشروط به والمعلق على الشرط عدم عند عدمه فما لم يعلم تحقق الفسق لم يجب التثبت وأجاب عنه في التهذيب فقال الفسق لما كان علَّة التثبت وجب العلم بنفيه حتى يعلم انتفاء وجوب التثبت وقد أجاب بهذا الجواب أيضا في النّهاية وشرح المختصر والإحكام ولكن في المنية بعد الإشارة إليه وفيه نظر فإن التثبت إنما يجب عند ظهور الفسق لا عند احتماله ولا يوجب التثبت عند إخبار العدل الذي ليس بمعصوم لتحقق احتمال فسقه في نفس الأمر وفسق المجهول حاله المعلوم إسلامه ليس ظاهرا لأن اعتقاده دين الإسلام يزجره عن الفسق غالبا ومنها ما حكاه جماعة عن بعضهم من أن المجهول يقبل قوله في تزكية اللحم وطهارة الماء ورق الجارية فيلزم قبول قوله في ذلك وأجاب عنه في التهذيب والنهاية والمنية والإحكام وشرح المختصر فقالوا الجواب لا يلزم من قبول الرّواية في هذه الأشياء الناقصة مع جهالة الراوي قبولها في المناصب الجليلة وزاد في المنية فقال فإن الرواية يستلزم شرعا عاما وحكما كلَّيا ولأن تلك الأمور الجزئية مما يعم به البلوى واعتبار العدالة في المخبر بها حرج ومشقة فكان منفيّا لقوله تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج بخلاف الرّواية ولأن قول الفاسق مقبول في كثير منها مع عدم قبول روايته في شيء منها وفي الإحكام أن الإخبار فيما ذكروه من الصور مقبول مع ظهور الفسق ولا كذلك فيما نحن فيه وفي شرح المختصر الجواب أولا بأن ذلك ليس محلّ النزاع إذ محل النزاع ما يشترط فيه عدم الفسق وذلك مقبول مع الفسق اتفاقا وفي شرح الدراية الفرق بين ما ذكر وبين الرواية واضح ومنها ما ذكره في النهاية فقال احتج المخالف بقبول الصّحابة قول العبيد والنسوان لما عرفوهم بالإسلام ولم يعرفوا منهم الفسق ثم أجاب عنه فقال بمنع قبول الصّحابة رواية المجاهيل فإنه المتنازع بل الظاهر أنهم ردّوا كما ردّ علي عليه السلم خبر الأشجع وعمر خبر فاطمة بنت قيس وصرّح بهذا الجواب في الإحكام أيضا ومنها ما ذكره في النهاية أيضا فقال احتج المخالف بأنه قبل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله شهادة الأعرابي على رؤية الهلال مع أنه لم يظهر منه إلا الإسلام وأمر بالنداء بالصّوم ثم أجاب عنه كما في الإحكام بمنع أن النبي صلى الله عليه وآله لم يعلم من حال الأعرابي سوى الإسلام ثم قال سلمنا لكن فيه نظر فإنه في ابتداء الإسلام هو عدل لسقوط العقاب عنه بالكفر عند إسلامه وعدم تجدد ذنب منه حينئذ ومنها ما ذكره في النهاية أيضا فقال احتج المخالف بأنه لو أسلم كافر وروى خبرا عقيب إسلامه قبلت روايته لوجود الإسلام وعدم وجود ما يوجب فسقه وطول مدته في إسلامه أولى بالقبول ثم أجاب عنه كما في الإحكام بأنه حال إسلامه عدل بخلاف ما إذا استمر لاحتمال صدور المعاصي عنه خصوصا وهو في ابتداء الإسلام شديد الحرص في امتثال أوامره واجتناب نواهيه وزاد في الإحكام فقال بمنع قبول روايته من دون الخبرة بحاله لاحتمال أن يكون كذوبا وهو باق على طبعه ومنها ما ذكره في النهاية أيضا فقال احتج المخالف بقوله نحن نحكم بالظاهر ورواية المجهول ظاهر ثم أجاب عنه بأنه ليس للعموم لانتقاضه بالفاسق والصّبي وإنكار المنكر احتاج إلى المبين ولأنه أضاف إلى نفسه فلا يتعدى إلى غيره إلا بالقياس انتهى وفي شرح المختصر الجواب أما أولا فبأنا لا نسلم أن هذا ظاهر بل يستوي فيه صدقه وكذبه ما لم يعلم وأما ثانيا فلأنه معارض بنحو ولا تقف ما ليس لك به علم إن يتبعون إلا الظن وفي الإحكام والجواب عن الخبر الأول من ثلاثة أوجه الأول أن النّبي صلى الله عليه وآله أضاف الحكم بالظاهر إلى نفسه فلا يلزم مثله في حق غيره إلا بطريق القياس لا بنفس النّص المذكور والقياس عليه ممتنع لأن ما للنبي صلى الله عليه وآله من الاطلاع بحال المخبر به لصفا جوهر نفسه واختصاصه عن الخلق بمعرفة ما لا يعرفه أحد منهم من الأمور الغيبية غير متحقق في حق غيره الثاني أنه رتب الحكم على الظاهر وذلك وإن كان يدلّ على كونه علَّة لقبوله والعمل به فيتخلَّف الحكم عنه في الشهادة على العقوبات والفتوى يدل على أنه ليس بعلَّة الثالث المعارضة بقوله تعالى إن الظن لا يغني إلى آخره وليس العمل بأحد الظنين وتأويل الآخر أولى من الآخر بل العمل بالآية أولى لأنها متواترة وما ذكروه آحاد انتهى ومنها ما دل على كفاية مجرّد الإسلام والإيمان مع عدم ظهور الفسق في الحكم بعدالة الشاهد فكذلك يكتفى بهما في الحكم بعدالة المخبر لعدم القائل بالفصل بين الأمرين وفيه منع المقدمة الأولى لما بيّناه في الوسائل والمصابيح والتحقيق عندي في المسألة أن يقال إن المجهول إن لم